الشوكاني
20
فتح القدير
القرطبي عن ابن عباس وأبي وسعيد بن جبير أنهم قرأوا " حتى تستأذنوا " قال مالك فيما حكاه عنه ابن وهب : الاستئناس فيما يرى والله أعلم الاستئذان ، وقوله ( وتسلموا على أهلها ) قد بينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما سيأتي بأن يقول : السلام عليكم أدخل ؟ مرة أو ثلاثا كما سيأتي . واختلفوا هل يقدم الاستئذان على السلام أو العكس ، فقيل يقدم الاستئذان ، فيقول : أدخل سلام عليكم ، لتقديم الاستئناس في الآية على السلام . وقال الأكثرون : إنه يقدم السلام على الاستئذان فيقول : السلام عليكم أدخل ، وهو الحق ، لأن البيان منه صلى الله عليه وآله وسلم للآية كان هكذا . وقيل إن وقع بصره على إنسان قدم السلام ، وإلا قدم الاستئذان ( ذلكم خير لكم ) الإشارة إلى الاستئناس والتسليم : أي دخولكم مع الاستئذان والسلام خير لكم من الدخول بغتة ( لعلكم تذكرون ) أن الاستئذان خير لكم ، وهذه الجملة متعلقة بمقدر : أي أمرتم بالإستئذان ، والمراد بالتذكر الاتعاظ ، والعمل بما أمروا به ( فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم ) أي فإن تجدوا في البيوت التي لغيركم أحدا ممن يستأذن عليه فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم بدخولها من جهة من يملك الإذن . وحكى ابن جرير عن مجاهد أنه قال : معنى الآية فإن لم تجدوا فيها أحدا : أي لم يكن لكم فيها متاع ، وضعفه وهو حقيق بالضعف ، فإن المراد بالأحد المذكور أهل البيوت الذين يأذنون للغير بدخولها ، لإمتاع الداخلين إليها ( وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا ) أي إن قال لكم أهل البيت ارجعوا فارجعوا ، ولا تعاودوهم بالاستئذان مرة أخرى ، ولا تنتظروا بعد ذلك أن يأذنوا لكم بعد أمرهم لكم بالرجوع . ثم بين سبحانه أن الرجوع أفضل من الإلحاح وتكرار الاستئذان والقعود على الباب فقال ( هو أزكى لكم ) أي أفضل ( وأطهر ) من التدنس بالمشاحة على الدخول لما في ذلك من سلامة الصدر ، والبعد من الريبة ، والفرار من الدناءة ( والله بما تعملون عليم ) لا تخفى عليه من أعمالكم خافية ( ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم ) أي لا جناح عليكم في الدخول بغير استئذان إلى البيوت التي ليست بمسكونة . وقد اختلف الناس في المراد بهذه البيوت ، فقال محمد بن الحنفية وقتادة ومجاهد : : هي الفنادق التي في الطرق السابلة الموضوعة لابن السبيل يأوي إليها . وقال ابن زيد والشعبي : هي حوانيت القيساريات ، قال الشعبي : لأنهم جاءوا ببيوعهم فجعلوها فيها ، وقالوا للناس هلم . وقال عطاء : المراد بها الخرب التي يدخلها الناس للبول والغائط ، ففي هذا أيضا متاع . وقيل هي بيوت مكة . روى ذلك عن محمد ابن الحنفية أيضا ، وهو موافق لقول من قال : إن الناس شركاء فيها ، ولكن قد قيد سبحانه هذه البيوت المذكورة هنا بأنها غير مسكونة . والمتاع : المنفعة عند أهل اللغة ، فيكون معنى الآية : فيها منفعة لكم ، ومنه قوله " ومتعوهن " وقولهم : أمتع الله بك ، وقد فسر الشعبي المتاع في كلامه المتقدم بالأعيان التي تباع . قال جابر بن زيد : وليس المراد بالمتاع الجهاز ، ولكن ما سواه من الحاجة . قال النحاس ، وهو حسن موافق للغة ( والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ) أي ما تظهرون وما تخفون ، وفيه وعيد لمن لم يتأدب بآداب الله في دخول بيوت الغير . وقد أخرج الفريابي وابن جرير من طريق عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار قال : قالت امرأة : يا رسول الله إني أكون في بيتي على الحالة التي لا أحب أن يراني عليها أحد ولد ولا والد ، فيأتيني الأب فيدخل علي فكيف أصنع ؟ ولفظ ابن جرير : وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحالة ، فنزلت ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ) الآية . وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن